محمد بن جرير الطبري
381
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا فقال : إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا . فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها ، فقاسوا طالوت بها فكان مثلها . حدثني بذلك موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن الله اصطفاه عليكم وزاده مع اصطفائه إياه بسطة في العلم والجسم ؛ يعني بذلك : بسط له مع ذلك في العلم والجسم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ بعد هذا . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يعني تعالى ذكره بذلك : أن الملك لله وبيده دون غيره يؤتيه . يقول : يؤتي ذلك من يشاء فيضعه عنده ، ويخصه به ، ويمنحه من أحب من خلقه . يقول : فلا تستنكروا يا معشر الملإ من بني إسرائيل أن يبعث الله طالوت ملكا عليكم وإن لم يكن من أهل بيت المملكة ، فإن الملك ليس بميراث عن الآباء والأَسلاف ، ولكنه بيد الله يعطيه من يشاء من خلقه ، فلا تتخيروا على الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ، قال : حدثني بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه : وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ الملك بيد الله يضعه حيث شاء ، ليس لكم أن تختاروا فيه . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : ملكه : سلطانه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ سلطانه . وأما قوله : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فإنه يعني بذلك والله واسع بفضله ، فينعم به على من أحب ، ويريد به من يشاء عَلِيمٌ بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه ، وفضله الذي يعطيه ، فيعطيه ذلك لعلمه به ، وبأنه لما أعطاه أهل إما للإِصلاح به وإما لأَن ينتفع هو به . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وهذا الخبر من الله تعالى ذكره عن نبيه الذي أخبر عنه دليل على أن الملأَ من بني إسرائيل الذين قيل لهم هذا القول لم يقروا ببعثة الله طالوت عليهم ملكا ، إذ أخبرهم نبيهم بذلك وعرفهم فضيلته التي فضله الله بها ؛ ولكنهم سألوه الدلالة على صدق ما قال لهم من ذلك وأخبرهم به . فتأويل الكلام إذ كان الأَمر على ما وصفنا : وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فقالوا له : ائت بآية على ذلك إن كنت من الصادقين قال لهم نبيهم : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ هذه القصة وإن كانت خبرا من الله تعالى ذكره عن الملإ من بني إسرائيل ونبيهم وما كان من ابتدائهم نبيهم بما ابتدءوا به من مسألته أن يسأل الله لهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيله ، بناء عما كان منهم من تكذيبهم نبيهم بعد علمهم بنبوته ثم إخلافهم الموعد الذي وعدوا الله ووعدوا رسوله من الجهاد في سبيل الله بالتخلف عنه حين استنهضوا لحرب من استنهضوا لحربه ، وفتح الله على القليل من الفئة مع تخذيل الكثير منهم عن ملكهم وقعودهم عن الجهاد معه ؛ فإنه تأديب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذراريهم وأبنائهم يهود قريظة والنضير ، وأنهم لن يعدوا في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به ونهاهم عنه ، مع علمهم بصدقه ومعرفتهم بحقيقة نبوته ، بعد ما كانوا يستنصرون الله به على أعدائهم قبل